السودان بين الفشل الظاهر وإمكانيات النهوض الكامنة
قناة اضواء - adwaa tv
الشرق الأوسط _ الجمعة الموافق ٢٠٢٦/٥/١م
مقالات واعمدة صحفية
محمد صديق
عند الحديث عن السودان، يتكرر وصف “الفشل” في الخطاب العام، وكأنه حقيقة مطلقة لا تقبل النقاش. غير أن النظرة المتعمقة تكشف أن ما يمر به السودان ليس فشلًا جوهريًا في الدولة أو المجتمع، بل نتيجة تراكمات سياسية واقتصادية واجتماعية معقدة، يمكن فهمها وتحليلها، والأهم من ذلك: يمكن تجاوزها.
منذ الاستقلال، لم يحظ السودان بفترة استقرار سياسي كافية لبناء مؤسسات قوية. تعاقب الحكومات والانقلابات العسكرية أوجد بيئة غير مستقرة، حيث يتم تغيير السياسات والخطط بشكل مستمر، مما أعاق أي مشروع تنموي طويل الأمد. فالدول لا تنهض بالقرارات المؤقتة، بل بالاستمرارية المؤسسية.
إلى جانب ذلك، لعبت النزاعات الداخلية دورًا كبيرًا في استنزاف الدولة. الحروب لم تقتصر على الخسائر البشرية فحسب، بل امتدت لتشمل تدمير البنية التحتية، وتعطيل الإنتاج، وزرع الانقسامات داخل النسيج الاجتماعي. وعندما تنشغل الدولة بالصراع، تتراجع التنمية بطبيعتها.
اقتصاديًا، يُعد السودان مثالًا صارخًا على “الفرص الضائعة”. بلد يمتلك موارد زراعية هائلة، ومياه وفيرة، وثروات معدنية، لكنه يعاني من أزمات اقتصادية متلاحقة. السبب لا يكمن في قلة الموارد، بل في ضعف الإدارة، وغياب التخطيط الاستراتيجي، إضافة إلى تأثير العقوبات سابقًا، وفقدان جزء كبير من الإيرادات بعد انفصال جنوب السودان.
كما أن الانقسامات الاجتماعية والجهوية أسهمت في تعقيد المشهد. فغياب مشروع وطني جامع جعل الولاءات الضيقة تتقدم على المصلحة العامة، مما أضعف وحدة القرار السياسي وأعاق بناء دولة متماسكة.
ولا يمكن إغفال أثر هجرة الكفاءات، حيث غادر الكثير من أصحاب الخبرات البلاد بحثًا عن فرص أفضل. هذه الهجرة لم تكن مجرد فقدان أفراد، بل خسارة لرأس مال بشري كان يمكن أن يقود عملية التنمية.
ورغم كل هذه التحديات، فإن الحديث عن السودان يجب ألا يقتصر على تشخيص الأزمات، بل ينبغي أن يتجه نحو استشراف الحلول. فالسودان يمتلك كل مقومات النهوض: أرض خصبة، موقع جغرافي مميز، وموارد بشرية قادرة على الإبداع متى ما توفرت لها البيئة المناسبة.
إن بداية الطريق نحو التعافي تكمن في تحقيق الاستقرار السياسي، وبناء مؤسسات قائمة على الكفاءة والشفافية، وإطلاق مشروع وطني جامع يتجاوز الانقسامات. كما أن الاستثمار في الزراعة والصناعات المرتبطة بها يمكن أن يشكل نقطة تحول حقيقية في الاقتصاد.
في النهاية، لا يمكن وصف السودان بأنه بلد فاشل، بل هو بلد لم تُتح له بعد فرصة حقيقية للاستقرار والنمو. وبين الواقع الصعب والإمكانات الكبيرة، تبقى الإرادة السياسية والإدارة الرشيدة هما العامل الحاسم في تحديد المستقبل.
www.adwaamedia.com