مقال تحليلي اقتصادي وسياسي
من النهضة إلى الانتكاسة: السودان بين فرص التنمية وتحديات الاضطرابات الجيوسياسية
قناة اضواء - adwaa tv
Www.adwaamedia.com
٢٠٢٦/١٠/٢٦م
بقلم: محمد صديق مستشار تطوير الأعمال والمشاريع
مقدمة: لماذا تتعثر الأمم رغم امتلاكها مقومات النهضة؟
ليست كل دولة تمتلك الموارد قادرة على تحقيق النهضة، وليست كل أمة تتعرض للانتكاسات محكومًا عليها بالبقاء في دائرة الأزمات. فالفارق الحقيقي بين الدول التي تتقدم وتلك التي تتراجع يكمن في قدرتها على إدارة مواردها، وبناء مؤسساتها، وحماية استقرارها، وتحويل إمكاناتها الطبيعية والبشرية إلى إنتاج وقيمة اقتصادية مستدامة.
ويمثل السودان نموذجًا بالغ الأهمية لهذه المعادلة؛ إذ يمتلك أراضي زراعية واسعة، وموارد مائية، وثروة حيوانية، وموارد معدنية، وموقعًا جغرافيًا يربط أجزاءً من أفريقيا بالعالم العربي، فضلًا عن طاقات شبابية وكفاءات وطنية قادرة على الإسهام في البناء والتطوير.
ومع ذلك، فإن امتلاك هذه المقومات لا يكفي وحده لصناعة النهضة. فالموارد التي لا تُحسن إدارتها قد تتحول إلى مصدر للتنافس والصراع بدلًا من أن تكون أساسًا للرفاه والاستقرار.
وهنا يبرز السؤال الجوهري: كيف ينتقل السودان من دائرة الصراعات والانتكاسات إلى مسار النهضة الاقتصادية والتنمية المستدامة؟
أولًا: من مقومات النهضة إلى واقع الانتكاسة
إن قراءة التجربة السودانية تقتضي التمييز بين امتلاك الموارد والقدرة على تحويلها إلى تنمية حقيقية. فالثروة الطبيعية لا تصنع اقتصادًا قويًا ما لم ترتبط بالتصنيع، والاستثمار، والتعليم، والبنية التحتية، والإدارة الرشيدة.
وتوضح بيانات البنك الدولي أن الاقتصاد السوداني انكمش بنحو 29.4% في عام 2023، وبنحو 14% في عام 2024، قبل تسجيل تعافٍ تقديري متواضع في 2025. وتعكس هذه الأرقام حجم الصدمة التي أصابت الأنشطة الإنتاجية والخدمات والأسواق نتيجة الحرب.
لكن اختزال الأزمة في الحرب وحدها لا يقدم تفسيرًا كاملًا؛ إذ إن بناء اقتصاد قادر على الصمود يتطلب مؤسسات فاعلة، وقواعد واضحة لإدارة الموارد، وسياسات اقتصادية تستمر حتى مع تغير الحكومات.
ومن هنا، فإن النهضة الحقيقية لا تبدأ من استخراج الذهب أو تصدير المحاصيل فحسب، بل من بناء منظومة تجعل عائد هذه الموارد يتحول إلى مصانع، وفرص عمل، وخدمات عامة، وقيمة مضافة داخل البلاد.
### ثانيًا: الاضطرابات الجيوسياسية وتأثيرها في مستقبل السودان
لم تعد الأزمات السياسية والعسكرية شؤونًا محلية معزولة؛ فالعالم مترابط عبر التجارة والطاقة والتمويل وسلاسل الإمداد. وعندما تتصاعد التوترات الإقليمية والدولية، تتأثر الدول الهشة بصورة أكبر بسبب محدودية احتياطياتها المالية وضعف بنيتها الإنتاجية.
وتتمثل أبرز التأثيرات في السودان في الآتي:
* اضطراب التجارة: ارتفاع تكاليف النقل والتأمين، وصعوبة الوصول إلى بعض الأسواق، وتعطل تدفق السلع والمدخلات الإنتاجية.
* المنافسة على الموارد: قد يؤدي ضعف المؤسسات إلى تحويل الموارد المعدنية والزراعية إلى محور للتنافس والصراع بدلًا من توظيفها في التنمية.
* تراجع الاستثمار: يبحث المستثمر عن الأمن، واستقرار القوانين، وإمكانية تحويل الأرباح، ووضوح السياسات؛ وعندما تتراجع هذه العوامل تتأخر المشروعات.
* تأثيرات الأمن الغذائي: يؤدي تعطل الزراعة والنقل والأسواق إلى ارتفاع المخاطر على المنتجين والمستهلكين معًا.
وقد أكدت تحليلات دولية حديثة أن الحرب واضطراب الأسواق ونقص المدخلات الزراعية ساهمت في تعميق أزمة الغذاء في السودان.
والدرس هنا أن السودان لا يستطيع التحكم في جميع التحولات الجيوسياسية، لكنه يستطيع تقليل آثارها عبر تنويع الأسواق، وتطوير الإنتاج المحلي، وتحسين إدارة المخزون الاستراتيجي، وبناء علاقات تجارية متوازنة تقوم على المصالح المشتركة.
ثالثًا: الصناعة الغذائية بوابة عملية للنهضة
من منظور التنمية الاقتصادية، تمثل الصناعات الغذائية فرصة مهمة للسودان؛ لأنها تربط بين الزراعة والثروة الحيوانية والتجارة والتوظيف، وتمنح المنتج المحلي فرصة للوصول إلى الأسواق بقيمة أعلى.
فبدلًا من تصدير المواد الخام فقط، يمكن التوسع في:
* مطاحن الحبوب وإنتاج الدقيق والأعلاف.
* تصنيع الزيوت النباتية من الفول السوداني والسمسم، مع تطوير استخلاص الزيوت وتعبئتها.
* تجفيف الخضروات والبامية والطماطم وتصنيع التوابل.
* تطوير الألبان ومشتقاتها، ومسالخ حديثة ومنشآت لتجهيز اللحوم.
* تصنيع منتجات السمسم والصمغ العربي والفواكه المحلية.
* تطوير التعبئة والتغليف والتخزين المبرد والنقل والتوزيع.
ويحدد تحليل برنامج الأمم المتحدة الإنمائي لسلاسل القيمة الزراعية والغذائية في السودان فرصًا في السمسم والذرة الرفيعة وفول الصويا والفول السوداني والكركديه والصمغ العربي والثروة الحيوانية، مع التركيز على التمويل والبنية التحتية وتسهيل التجارة.
والأهم أن هذه المشروعات لا تحتاج جميعها إلى استثمارات ضخمة منذ البداية؛ إذ يمكن إطلاق وحدات إنتاج صغيرة ومتوسطة في المناطق الآمنة، ثم توسيعها تدريجيًا بحسب الطلب والقدرة التشغيلية وتوافر التمويل.
رابعًا: لماذا يجب أن تبدأ النهضة من الإنسان والمؤسسات؟
إن إعادة بناء المباني والطرق والمصانع أمر ضروري، لكنه لا يكفي إذا لم تتزامن معه إعادة بناء الثقة والمؤسسات والقدرات البشرية.
وتحتاج المرحلة المقبلة إلى منظومة إصلاح تشمل:
* الحوكمة والمساءلة: وضع أهداف قابلة للقياس لكل وزارة وولاية، وربط تقييم المسؤولين بنتائج الأداء الفعلية.
* تأهيل الكوادر الوطنية: الاستفادة من خبرات المهندسين والأطباء وخريجي الزراعة والثروة الحيوانية والإدارة والاقتصاد، وإيجاد فرص حقيقية لهم.
* الإدارة الاقتصادية الرشيدة: تحسين تحصيل الإيرادات، ومكافحة الفساد، وترشيد الإنفاق، وتوجيه الموارد إلى القطاعات المنتجة.
* العدالة في توزيع فرص التنمية: منح الولايات والمناطق المنتجة نصيبًا واضحًا من الخدمات والاستثمارات، بما يعزز الاستقرار والانتماء الوطني.
* الشراكة مع القطاع الخاص: تهيئة بيئة تساعد المستثمرين المحليين والمغتربين على إنشاء المشروعات وتوسيعها، مع ضمان الشفافية وحماية الحقوق.
وتؤكد التقديرات المنشورة في تقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي لعام 2026 أن مسار السلام والإصلاح والاستثمار يمكن أن يغيّر مستقبل السودان جذريًا؛ إذ يعرض التقرير سيناريو تنمويًا يمكن أن يرفع الناتج المحلي الإجمالي إلى أكثر من الضعف بحلول عام 2043، ويخرج 17 مليون شخص من الفقر، مقارنة بمسارات استمرار الصراع. وهذه نتائج سيناريو مشروط، وليست توقعات مضمونة.
خامسًا: خارطة طريق عملية للانتقال من الانتكاسة إلى النهضة
لا ينبغي أن تبقى النهضة مجرد شعار سياسي أو أمنية شعبية، بل يجب تحويلها إلى برنامج عمل واضح، بمراحل ومؤشرات ومسؤوليات محددة.
المرحلة الأولى: وقف النزيف واستعادة الاستقرار
الأولوية العاجلة
حماية المدنيين، وتوسيع الوصول الإنساني، واستعادة الخدمات الأساسية، وتأمين الممرات التجارية ومناطق الإنتاج، وتهيئة الظروف لعودة النازحين طوعًا وبأمان.
المرحلة الثانية: استئناف الإنتاج
الأشهر الأولى بعد توافر الظروف الأمنية
توفير البذور والوقود والتمويل، وإصلاح مرافق الري، ودعم المزارعين ومربي الماشية، وإعادة تشغيل الأسواق والمطاحن والمسالخ ومصانع الأغذية.
المرحلة الثالثة: التصنيع والتوظيف
على المدى المتوسط
إنشاء مناطق صناعية مرتبطة بالموارد المحلية، وتشجيع المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وربط خريجي الجامعات بمشروعات الإنتاج والتدريب والتشغيل.
المرحلة الرابعة: التوسع التجاري والتكامل الإقليمي
على المدى الطويل
تطوير الصادرات ذات القيمة المضافة، وتنويع الشركاء التجاريين، وتحسين الخدمات اللوجستية، وجذب الاستثمارات التي تنقل المعرفة والتقنية وتوفر فرص عمل مستدامة.
هذه المراحل إطار مقترح للتنفيذ وليست جدولًا زمنيًا مضمونًا؛ فتسلسلها وسرعتها يعتمدان على الوضع الأمني والتمويل والقدرة المؤسسية.
### سادسًا: السودان والعلاقات الإقليمية والدولية
إن الموقع الجغرافي للسودان وموارده الزراعية والحيوانية والمعدنية يمنحانه فرصًا لبناء علاقات اقتصادية واسعة مع الدول العربية والأفريقية والأسواق العالمية.
لكن الاستفادة من هذه الفرص تتطلب الانتقال من الاعتماد على تصدير المواد الخام إلى إقامة شراكات تحقق مصالح متبادلة، وتدعم التصنيع المحلي، وتنقل التكنولوجيا، وتفتح أسواقًا جديدة أمام المنتجات السودانية.
كما ينبغي التعامل مع التنافس الإقليمي والدولي بواقعية؛ فلا تُبنى السياسة الاقتصادية على افتراض أن جميع الدول ستتحرك ضد السودان أو لمصلحته، بل على تحليل المصالح الفعلية، وتنويع الشراكات، وحماية السيادة الاقتصادية، وتجنب الارتهان لشريك واحد.
ومن المهم أيضًا أن تصبح العلاقات التجارية أداةً لتعزيز السلام والاستقرار، لا وسيلة لتغذية الصراعات أو تعميق التبعية الاقتصادية.
### سابعًا: رسالة إلى الشباب والكفاءات السودانية
إن مستقبل السودان لا ينبغي أن يُختزل في انتظار التسويات السياسية أو المساعدات الخارجية. فمع أهمية السلام والدعم الدولي، تبقى القدرة الوطنية على التنظيم والإنتاج والابتكار عنصرًا حاسمًا في أي نهضة مستدامة.
على خريجي الزراعة والثروة الحيوانية والهندسة والإدارة والاقتصاد وتقنية المعلومات أن ينظروا إلى تحديات البلاد باعتبارها مجالات يمكن أن تنشأ منها مشروعات إنتاجية وخدمية، متى توافرت البيئة الآمنة والتمويل والإدارة المناسبة.
ويمكن للمغتربين وأصحاب الخبرات ورجال الأعمال الإسهام في نقل المعرفة، وتطوير المشروعات، وبناء الشراكات، وتدريب الكوادر، وتوجيه الاستثمار نحو الأنشطة التي تخلق قيمة حقيقية.
فالمطلوب ليس مجرد عودة رؤوس الأموال، بل عودة الثقة، وتأسيس مؤسسات تحمي الاستثمار، وتضمن المنافسة العادلة، وتربط الأرباح بتحقيق قيمة اقتصادية واجتماعية.
الخاتمة: هل يستطيع السودان تحويل الانتكاسة إلى نقطة انطلاق؟
إن الانتقال من النهضة إلى الانتكاسة ليس قدرًا محتومًا، كما أن الخروج من الأزمات لا يتحقق بالأمنيات وحدها. فالدول التي تتجاوز المحن هي التي تستخلص الدروس من تجاربها، وتعيد ترتيب أولوياتها، وتبني مؤسسات قادرة على إدارة الخلافات وحماية الموارد وتوجيهها نحو التنمية.
ويحتاج السودان إلى مشروع وطني جامع، يبدأ بوقف الحرب وتحقيق السلام، ثم يستعيد الإنتاج، ويطور الصناعة، ويؤهل الكفاءات، ويعزز الحوكمة، ويحول الموارد الطبيعية إلى فرص عمل ودخل وصادرات.
إن السودان لا تنقصه الموارد بقدر ما يحتاج إلى منظومة متكاملة تحسن إدارة موارده، وتحمي إنسانه، وتربط السلطة بالمسؤولية، والثروة بالإنتاج، والتنمية بالعدالة.
فهل تكون الانتكاسة الحالية بداية مراجعة وطنية شاملة، تضع السودان على طريق النهضة المستدامة، أم تستمر دورة الصراعات التي تستنزف الإنسان والموارد والأجيال؟
الإجابة لن تحددها الشعارات، بل القرارات والمؤسسات والقدرة على تحويل الخطط إلى نتائج ملموسة على أرض الواقع.